نخبة من الأكاديميين

507

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

وبدون نظرية الفكرة يكون كل حديث عما مضى ، إنما هو حديث بلا معنى كما نتصور . وهذه حقيقة كبرى تصطدم بها الاتجاهات المادية بقوة ، من هنا جاءت النصوص الإسلامية لتؤكد على ( الفطرة ) ، وعلى أن الدين في الحقيقة ينسجم مع ( الفطرة ) لأنها واقع أصيل ، ولأن الدين مشروع واقعي لاصلاح الإنسان . يقول تعالى : ( فأقم وجهك للدين حنيفاً ، فطرة الله التي فطر الناس عليها ، لا تبديل لخلق الله ، ذلك الدين القيم ) « 1 » . وهذه الآية الكريمة تقرر كما يقول والسيد الصدر في كتابه : « اقتصادنا » : أولًا : إن الدين ( بكل ما فيه من حقوق وتكاليف ومنظورات للعدالة ) ، هو من شؤون الفطرة الإنسانية التي فطر الناس عليها جميعاً ، لا تبديل لخلق الله . ثانياً : إن هذا الدين الذي فطرت الإنسانية عليه ، ليس هو إلا الدين الحنيف الخالص . أما أديان الشرك والإيمان بالآلهة الوهمية النسبية ، فهي لا يمكن أن تحلّ المشاكل الإنسانية . يقول سيدنا يوسف لصاحب السجن : ( ما تعبدون من دونه إلا أسماء سمّيتموها أنتم وآباؤكم ، ما أنزل الله بها من سلطان ) « 2 » وثالثاً ( يتابع السيد الصدر ) : إن الدين الحنيف الذي فطرت عليه الإنسانية يتميز بكونه ديناً قيماً على الحياة ، قادراً على التحكم فيها وصياغتها في إطارها العام . ذلك أن المسألة الاجتماعية المهمة في تاريخ الإنسان هي التعارض الذي ينشأ بين المصالح الفردية ( وهي تؤدي لأن يتصور الإنسان لنفسه حقوقاً في الحصول عليها بمقتضى حب ذاته و ( المصالح الاجتماعية ) التي يطرحها النظام الاجتماعي الذي يعيشه ويفرض عليه ( تكاليف ) تجاهها باسم ( العدالة ) ، وهذا التناقض بين المصالح الفردية والاجتماعية لم يستطع العلم أن يحلّه ، فإن علم الإنسان لن يقف مطلقاً أمام ترجيح مصالحه الشخصية . ولم تستطع المادية التاريخية ( والكلام للصدر دائماً ) ، من خلال قوانينها التاريخية أن تقدم الحلّ . ويبقى للدين الحل النهائي لهذا التعارض وتحقيق العدالة ، وذلك من خلال ربطه بين المصالح الذاتية وسبل الخير ، إذ يقول القرآن الكريم : ( ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ، يرزقون فيها بغير حساب ) « 3 » ويقول أيضاً : ( من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ) « 4 » وهكذا تتلاحم المصلحة الفردية والمصلحة الاجتماعية و ( الحقوق ) و ( التكاليف ) تلاحماً رائعاً ينفي التعارض . وهنا يؤكد الصدر قائلًا : « فللفطرة الإنسانية إذن جانبان ، فهي من ناحية ، تملي على الإنسان دوافعه الذاتية التي تنبع منها المشكلة الاجتماعية الكبرى في حياة الإنسان ( مشكلة التناقض بين تلك الدوافع والمصالح الحقيقية للمجتمع الإنساني ) ؛ وهي من ناحية أخرى ، تزود الإنسان بإمكانية حل المشكلة عن طريق الميل الطبيعي إلى التديّن » « 5 » .

--> ( 1 ) - الروم / 30 . ( 2 ) - يوسف / 40 . ( 3 ) - غافر / 40 . ( 4 ) - فصلت / 46 . ( 5 ) - اقتصادنا ، ص 312 310 ، طبعة مشهد .